دروس في شرح الموطأ للإمام مالك بن أنس رحمه الله
سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
المقدمة: نشأة تدوين السنة النبوية
هذه دروسٌ في شرح ديوان، ولا بأس أن أقدّم بمقدّمة: اعلموا أنّ السنّة النبوية لم تُدوَّن كما دُوِّن القرآن، أعني في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُكتب الحديث.
لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحُه.
رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
والسبب في ذلك أنّ العرب كانوا قومًا أُمِّيّين لا يقرؤون ولا يكتبون، وإنما اعتمادهم في نقل علومهم على صدورهم، فخِيف اللَّبس والاختلاط بين القرآن والحديث؛ فلذلك نُهي أن يُكتب شيء من الحديث حتى يستقرّ القرآن في صدورهم ويُؤمَن ذلك اللَّبس.
لذلك نُهي عن كتابة الحديث، لكن مع ذلك كان الشيء منه يُكتب مرّةً فمرّة، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُكتب لأبي شاه. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لمّا فتح الله عزّ وجلّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
«إنّ الله حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحلّ لأحدٍ كان قبلي، وإنها أُحلّت لي ساعةً من نهار، وإنها لا تحلّ لأحدٍ بعدي: فلا يُختلى شوكها، ولا يُنفَّر صيدها، ولا تحلّ ساقطتها إلا لمنشد، ومن قُتل له قتيلٌ فهو بخير النظرين: إمّا أن يُفدى وإمّا أن يقتل». فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر، فإننا نجعله في قبورنا وبيوتنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلا الإذخر». فقام رجلٌ من أهل اليمن فقال: يا رسول الله، اكتبوا لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اكتبوا لأبي شاه».
متفق عليه، عن أبي هريرة رضي الله عنه
فهذا يدلّكم على أنّ هذا الحديث كُتب لأبي شاه، وكُتب أيضًا بعضه، ولكن ذلك لا يدخل في التدوين الرسمي، واستمرّ الحال على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم، واستمرّ الشأن في ذلك أيضًا في عهد معاوية رضي الله عنه، وفي عهد ابنه يزيد بن معاوية، وفي عهد عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وفي عهد مروان بن الحكم، وفي عهد عبد الملك بن مروان، وفي عهد الوليد بن عبد الملك، وفي عهد سليمان بن عبد الملك؛ كان الشأن في ذلك عدم كتابة الحديث، فكان الأكابر الأماثل والحفّاظ ينقلون كابرًا عن كابر يسمعه كما أُخذ، أوّلًا إلى آخر، وكانوا معتمدين في ذلك ـ كما ذكرت لكم ـ على حفظ صدورهم من غير تعويل على كتابة ولا على تسطير، حتى كانوا ربما رحلوا الرحلات الطويلة، قطعوا فيها المفاوز، وجابوا البلاد شرقًا وغربًا، ليسمع أحدهم حديثًا واحدًا.
فلمّا وَلِيَ عمر بن عبد العزيز رحمه الله كتب إلى عامله على المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قائلًا له: «انظر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعه، فإني خفتُ دروس العلم وذهاب العلماء». فكان هذا أول أمرٍ رسميّ بتدوين الحديث. وروى أبو نعيم الأصبهاني في كتابه «تاريخ أصبهان» أنّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى ولاة الأنصار: «انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه».
وهذا الأثر الذي رواه أبو نعيم الأصبهاني، والأثر الذي قبله رواه البخاري تعليقًا، يُشكِل عليه ما ذكره السيوطي في ألفيته حين قال: «أول جامع الحديث والأثر … ابن شهابٍ أَمْرًا له عمر». فذَكَر السيوطي أنّ أول من جمَعَ الحديث هو ابن شهاب الزهري، ولم يذكر أنّ ابن شهاب أول من صنَّفه، إنما أول من جمع وقيّد هو أبو بكر بن حزم. وحاصل الجمع بين ذلك: أنّ أبا بكر بن عمرو بن حزم لم يجمع كلّ حديث أهل المدينة، إنما جمع بعض حديثهم، كحديث عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية ـ وسيأتي في هذا الموطأ ـ وكحديث القاسم بن محمد بن أبي بكر. أمّا الذي جمع كلّ حديث أهل المدينة فهو الزهري، وهو الذي كان عمر بن عبد العزيز يأمر جلساءه أن يلازموه وأن يجالسوه، ويقول لهم: «ما بقي أحدٌ أعلم بالسنة منه على وجه الأرض».
أوائل من صنَّف في الحديث
فبعد ذلك تتابع الناس بالتصنيف؛ بعد طبقة الزهري تأتي طبقة الإمام مالك وأقرانه. قيل: إنّ أول من وضع مصنَّفًا في الحديث هو الإمام مالك، ووضع «الموطأ». والواقع أنّ هذا لا يمكن أن يُجزم به جزمًا، هو محتمل لكنه لا يمكن أن يُجزم به؛ لأنهم ذكروا طائفةً من العلماء دوَّنوا وقيَّدوا وأعصارهم متقاربة.
ذكر السيوطي بعضهم بقوله: «وأول الجامع للأبواب جماعةٌ في العصر ذو اقتراب، كابن جريج وهُشيمٍ والمالكي، ومعمرٍ ووُلدِ المبارك». فابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، كان في مكة، مات سنة خمسين ومئة. وهُشيم بن بشير الواسطي العراقي مات سنة ثلاثٍ وثمانين ومئة. ومالك الإمام مات سنة تسعٍ وسبعين ومئة في المدينة. ومعمر بن راشد اليمني مات سنة ثلاثٍ وخمسين ومئة. و«ولد المبارك» يُقصد به عبد الله بن المبارك الحنظلي، الذي مات سنة إحدى وثمانين ومئة في خراسان. فهؤلاء جميعًا صنَّفوا في وقتٍ واحد، لا يُدرى بالضبط من كان أولهم تصنيفًا.
سبب تأليف الإمام مالك لكتابه «الموطأ»
وذكروا أنّ سبب تصنيف الإمام مالك لكتابه كان لإشارةٍ أشار بها أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور، الخليفة العباسي. فقد كان قدِم مرةً إلى الحجاز ليحجّ، فلما حجّ أتى المدينة واستزار الإمام مالكًا فزاره، فأجلسه بجانبه وسأله أسئلة كثيرة، وبعد ذلك أقرّ بمكانته في العلم وإمامته للمسلمين.
وذكر القاضي عياض في «ترتيب المدارك» ـ وهو ممن ترجموا للإمام مالك رحمه الله ترجمةً واسعة ـ قال: روى بسنده عن مالك قال: «أتيتُ أبا جعفر بعد الغداة، وقد مَسَّت الشمسُ الأرض، فوجدته جلس من سريره على بساطه، فأجلسني، وقال لي: أنت حقيقٌ بكل إكرام، وأنت حقيقٌ بكل خير. قال: فما زال يسألني حتى أتاه المؤذّن يؤذّنه بصلاة الظهر».
والغداء هنا هو صلاة الفجر، يعني: تقريبًا أربع ساعات أو أربع ساعات ونصف، والخليفة يسأل الإمام مالك. فقال له بعد ذلك: أنت أعلم الناس. فقال له الإمام مالك: لا والله يا أمير المؤمنين. فقال أبو جعفر المنصور: بلى، ولكنك تكتم ذلك، ما بقي أحدٌ على وجه الأرض أعلم منك بعد أمير المؤمنين. وقال له: اكتب ـ يا أبا عبد الله، وهي كنية الإمام مالك ـ اكتب للناس كتبًا، وجَنِّبْ فيها شدائد ابن عمر، ورُخَص ابن عباس، وشواذّ ابن مسعود، واقصد فيها إلى ما أُجمع عليه، ووطِّئها للناس توطئة، ولئن بقيتُ لأكتُبنّ كتبك بماء الذهب، ولأُرسلنّها إلى الأمصار، ولأحمِلنّ الناس عليها.
فقال له الإمام مالك: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإن الناس قد سبقت لهم رواياتٌ، وبلغتهم أحاديث من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلٌّ عمل بما بلغه من ذلك، وإنّ ردّهم عمّا عملوا به واعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه. فقال أبو جعفر: والله لو طاوعتني على ذلك لفعلته. فلم يُكمل الإمام مالك رحمه الله موطّأه حتى كان أبو جعفر قد مات.
وفي كتاب الطبري في التاريخ رواياتٌ تشير إلى أنّ الذي أشار على الإمام مالك رحمه الله بتأليف الموطأ هو المهدي وليس المنصور، لكن ابن عساكر ذكر في تاريخه رواياتٍ توافق ما ذكره القاضي عياض ممّا سمعتموه.
لمّا وضع الإمام مالك موطّأه أتاه الناس من أهل المدينة فقالوا له: يا أبا عبد الله، كتبتَ كتابًا وأتعبتَ نفسك فيه، وعملتَ عملًا شاركك فيه غيرك، فقد صنَّف الناس مثلما صنَّفت، فلماذا تُتعب نفسك؟ فقال: ائتوني بما كتبوا. فأتَوه، فنظر في تلك الكتب ثم نبَذها، وقال: والله لتعلمُنّ، لا يبقى ولا يرتفع من هذا إلا ما أُريد به وجه الله. قال: فكأنما أُلقيت تلك الكتب في بئر.
مكانة كتاب «الموطأ» بين كتب العلم
والواقع أنّ كتاب الإمام مالك رحمه الله اجتمعت فيه أوصافٌ جعلته من أعظم كتب الإسلام، ومن أعظم الدواوين التي على طالب الفقه في الدين أن يدرسها.
الوصف الأول: أنه كتاب إمامٍ محدِّثٍ فقيه
يعني معترفٌ له بمرتبته ودرجته في الفقه، وهذا كون الكتاب يصنِّفه إمامٌ في الحديث إمامٌ في الفقه، شيءٌ يدعو إلى الإقبال عليه. روى ابن أبي حاتم في كتابه «الجرح والتعديل» عن عليّ بن المديني قال: كان حديث الفقهاء أحبّ إليهم من حديث المشيخة. وروى السيوطي في «تدريب الراوي» عن الأعمش أنه قال: حديثٌ يتداوله الفقهاء خيرٌ من حديثٍ يتداوله الشيوخ. وسُئل الإمام أحمد فقيل له عن فقهاء أهل الحديث، فقال: ما أقلّ الفقه عند أهل الحديث! يعني: ما أقلّ من يجمع بين حفظ الحديث والفقه فيه. فلمّا اجتمع ذلك، اجتمع الفقه والحديث في الإمام مالك رحمه الله، كان هذا داعيةً من أعظم الدواعي إلى أن يُقبل على كتابه ويُتفقَّه فيه.
الوصف الثاني: إجماع الناس على مدحه والثناء عليه
من ذلك أيضًا أنه كتابٌ أجمع الناس على مدحه والثناء عليه، من وافق الإمام مالكًا ومن خالفه أجمعوا على مدحه والثناء عليه. ومن أكثر المقالات انتشارًا قول الشافعي رحمه الله: «ما بعد كتاب الله أكثر صوابًا من موطّأ مالك»، وقال مرةً: «ما بعد كتاب الله أنفع من موطّأ مالك»، وقال جُملًا أخرى في المعنى نفسه، وهذا يدلّ على أنه كان يكرّر هذه الكلمة.
ومما أعجبني ممّا قيل في ذلك، الأبيات التي تُنسب إلى سعد الورجيني، يقول فيها:
انتشار رواية الحديث في الأمصار، ومكانة المدينة والمغرب
على كلّ حال، كانت كتب الحديث تُدوَّن وتُقيَّد وتُكتب في الأمصار التي فتحها الإسلام، لكن كثرتها اختلفت بحسب كثرة الصحابة الذين وجدوا في تلك الأمصار وقلّتهم. وكانت المدينة ـ دار الهجرة ـ لها الحظّ الأوفر من التقييد؛ لأنه ألَّف فيها الزهري شيخ مالك، وألَّف فيها موسى بن عقبة شيخ مالك، وألَّف فيها الإمام مالك، وألَّف فيها غير هؤلاء، وذلك لكثرة الصحابة الذين اتخذوها دارًا واستقرّوا فيها، ثم هي ـ بعد مكة ـ كانت مَهْوى أفئدة المؤمنين.
والمغرب، على نأيه وبُعد الشُّقّة، بزغت في سمائه أنجمٌ سطعت حتى بلغ نورها وشعاعها المشارقَ في سماء الحديث. ومن أولئك، بل أشهرهم، عبد الله بن إبراهيم الأصيلي راوي البخاري، الذي تُعدّ روايته من أصحّ روايات الجامع الصحيح، وهو من المغرب. ومنهم ابن سعدون الفاسي، مات في مصر، ولما مات تنازعه المحدّثون والفقهاء، كلٌّ يريد أن يصلّي عليه. ومنهم طائفةٌ أخرى ظهرت في عهد المرابطين وعهد الموحّدين، اشتهرت مجالس الحديث.
مجالس الحديث في عهد المرابطين والموحّدين
قال عبد الواحد المراكشي في كتابه «المُعجِب»: كان خلفاء الموحّدين يعقدون المجالس لكبار أشياخ الموحّدين وللعلماء الوافدين، يتدارسون فيها الحديث، بل يُحكى أنّ يوسف بن عبد المؤمن كان يحفظ الصحيحين. وفي هذا الوقت ظهر القاضي عياض السبتي رحمة الله عليه، وهو شهرةٌ كالنار على عَلَم، وظهر أبو الخطّاب بن دِحية وأخوه أبو عمرو، وهما السبتيّان، وأبو عمران الفاسي، وابن قطّان الفاسي، وآل ابن سودة، وآل ابن الحاجّ السُّلمي، وابن رُشيد الفهري السبتي، وغيرهم ممّن لا تزال أقوالهم في باب الرواية أو باب الدراية متناقَلة إلى يومنا هذا.
وبعد ذلك جاء المرينيّون، وتبعهم الوطّاسيّون والسعديّون، فكانت تلك المجالس تُعقد وكثُرت حتى يطول المقام بعدّ أسمائها وسردها. وممّن تأخّر عهدهم ـ ممّن يُعدّون في طبقة شيوخ شيوخنا أو طبقتهم ـ طائفةٌ، سأذكر لكم بعضهم؛ ولا أنسى أنّ في عدوتَي الرباط وسلا كان لهما أيضًا حظٌّ وافر من هؤلاء الذين كانوا محدِّثين بحقّ.
لكن ذلك مرّ في مرحلتين: مرحلةٌ كان العلماء فيها غالبًا يدرسون الحديث النبوي دراسة سردٍ لا دراسة بحثٍ وتحقيقٍ وتفهُّم؛ وذلك لأنهم كانوا يهابون الكلام في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا يسردون البخاري والموطأ ومسلمًا، وخاصة في أشهرٍ معيّنة من السنة كرجب وشعبان ورمضان. لكن مع ذلك كان بعضهم يدرس الحديث دراسة بحثٍ وتحقيق، ومن أشهر أولئك الشيخ أبو إسحاق التادلي الرباطي، المتوفى سنة ١٢٩٤هـ، فقد درس صحيح البخاري دراسة تحقيقٍ وبحثٍ مع طلبته. وكان الشيخ العربي بن السائح العمري الرباطي قد درَّس تراجم البخاري دراسةً أيضًا، وتلميذه أحمد بن موسى السلاوي المتوفى سنة ١٣١٠هـ.
قلتُ: هذه المرحلة كانت فيها السَّرَبُ تلك الدروس التي شعّت وسطعت، دروس أبي إسحاق التادلي؛ وهذا الرجل أحيا به مدينة الرباط لكثرة ما بثّ فيها من العلوم، ولذلك رثاه تلميذه من بعده وشيخ الجماعة في المغرب من بعده، الشيخ المكي البُطاوي الرباطي ـ وكان هذا أيضًا عالمًا من الأعلام ـ فلمّا مات أبو إسحاق التادلي رحمه الله رثاه بمرثيةٍ عجيبة، يقول فيها:
المرحلة الثانية: نهضة الشيخ أبي شعيب الدُّكالي وتلاميذه
المرحلة الثانية هي مرحلةٌ بدأت بقدوم الحافظ العلّامة الشيخ أبي شعيب الدُّكالي رحمه الله. كان قد نهل من علم بلدته دكالة، ثم قدِم فاس وجاب المغرب، ثم ذهب إلى مصر فجلس في الأزهر، ثم ذهب إلى الحجاز فاستوطن مكة وتزوّج من أهلها، وعظَّمه شريف مكة ورفع قدره وأعلى شأنه، فأجمع المقام في مكة. فلمّا وَلِيَ السلطان العلوي مولاي عبد الحفيظ ـ ورُوي أيضًا في عهد الحسن الأول رحمة الله عليه ـ استقدمه، وقال: مثلك لا يبقى خارج المغرب، فاستقدمه، فرجع واستقرّ في الرباط، وشرع يُدرِّس كتب الحديث دراسة تفقُّهٍ وبحث، فدرَّس الصحيحين، ويُقال إنه درَّس السنن الأربعة أيضًا، فكان هذا الصنيع هو الذي جرَّأ العلماء بعده على دراسة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم دراسة تحقيق.
فكان من طبقة تلاميذه فئةٌ، من أشهرهم الشيخ الهُمام مفخرة الرباط السيد المدني بن الحسني رحمة الله، المتوفى سنة ١٣٥٩هـ؛ وهذا الرجل درَّس صحيح البخاري، ودرَّس «زاد المعاد» لابن القيّم، ودرَّس «عمدة الأحكام» للمقدسي، ودرَّس «بلوغ المرام»، ودرَّس «رياض الصالحين» للنووي. وجاء أيضًا قرينه الشيخ محمد بن عبد السلام الروَنْدا الرباطي، المتوفى سنة ١٣٤٦هـ، فدرَّس البخاري ودرَّس «عمدة الأحكام». وجاء الشيخ محمد بن السلام السائح، المتوفى سنة ١٣٤٩هـ، فدرَّس صحيح البخاري. وجاء الشيخ عبد الرحمن بلقرشي الإمام الرباطي، ودرَّس الموطأ.
صدَق فيهم، تجلّى فيهم، تمثَّل فيهم قول أبي بكر القرطبي:
على أننا لا نزعم أنّ هذه المجالس المتأخرة تساوي تلك المجالس الأولى في الجالس إليه؛ بل نحن نقول: إننا الهشيم الذي يُرعى إذا اصفرّت البلاد وصوَّح نبتها. وقد صدق من قال: لا تُعرِضَنّ لذِكرنا مع ذكرهم، ليس الصحيح إذا مشى كالمُقعَد.
ونبدأ في هذا الكتاب إن شاء الله.
شرح كتاب الموطأ: كتاب الصلاة
قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: «كتاب الصلاة»، قال رحمه الله: «باب وقوت الصلاة».
تعريف الصلاة لغةً واصطلاحًا
قوله رحمه الله «كتاب الصلاة»: الصلاة هي العبادة المعروفة، وقد حدَّها ابن عرفة رحمه الله بقوله: «قربةٌ فعليّةٌ ذاتُ إحرامٍ وسلامٍ، أو سجودٍ فقط». فقوله «قربةٌ فعليّةٌ ذات إحرامٍ وسلام» هي الصلاة التي نُصلّيها. وقوله «أو سجودٍ فقط» يذكره ابن عرفة رحمه الله ليُدخل في تعريفه سجود التلاوة؛ فيرى ابن عرفة رحمه الله أنّ سجود التلاوة صلاة، فيُشترط له ما يُشترط للصلاة من استقبال القبلة والطهارة، لذلك قال «أو سجودٍ فقط» ليُدخل في التعريف سجود التلاوة.
والصلاة تأتي في لغة العرب على معانٍ:
تأتي بمعنى الدعاء، ومن ذلك قول ربنا سبحانه:
أي: وادْعُ لهم، وقراءة «صلواتك سكنٌ لهم» قراءةٌ أخرى بمعناها.
وتأتي الصلاة بمعنى الدين، ومنه قول الله تعالى حكايةً على لسان قوم شعيب:
أي: أدينُك يأمرك؟
وتأتي بمعنى البركة، كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«اللهم صلِّ على آل أبي أَوْفى»
حديثٌ نبويّ، أي: بارِك عليهم
وتُطلَق الصلاة على غير ذلك من المعاني أيضًا.
معنى «الوُقوت» لغةً، ودقيقة الجمع في كلام الإمام مالك
«الوُقوت» جمع «وقت»، و«وقت» يُجمع على «أوقات» ويُجمع على «وُقوت» أيضًا. لكن الفرق بين «وقت» و«أوقات»: أنّ «وُقوت» على وزن «فُعول» من جموع التكسير، وهي جمع كثرة، و«أوقات» على وزن «أفعال»، وهي جمع قلّة.
وجموع القلّة من جموع التكسير أربعة، جمعها ابن مالك رحمه الله في ألفيته بقوله: «أفعِلة، أفعُل، ثم فِعْلة، ثم أفعال جموع قلّة»: «أفعِلة» كأسلحة، و«أفعُل» كأضرُب وأبحُر، و«فِعْلة» كفتْية، و«أفعال» كأفراس. هذه الأوزان الأربعة هي جموع القلة.
وجموع القلة تُطلق في اللغة العربية إذا كان الموصوف بها أو المعدود بها من اثنين إلى عشرة؛ فإذا كان الذي تريد وصفه أو جمعه فوق الاثنين ودون العشرة، فهذا قليل، فيُجمع بوزن قِلّة، فإذا جاوز العشرة كان كثيرًا فيُجمع على جمع الكثرة.
يقول الإمام مالك رحمه الله: «باب وقوت الصلاة». و«وقوت» على وزن «فُعول» جمع كثرة، والأوقات ـ أي أوقات الصلاة ـ قليلةٌ، فهي خمسة. فلماذا يُستعمَل جمع الكثرة لعددٍ قليل؟
وقد قال بعضهم: كان الأَنسب أن يقول مالك رحمه الله «باب أوقات الصلاة»؛ لأنّ «أفعال» جمع قلّة، والصلوات خمس. وقد أُجيب عن هذا بجوابين:
الجواب الأول
أنّ من عادة العرب في كلامها أن تستعمل ـ لنُكَتٍ بلاغية ـ جمع القلة في موضع جمع الكثرة، وأن تستعمل جمع الكثرة في موضع جمع القلة. فالعرب مثلًا تقول: «ثلاثةُ كلابٍ أكرمكم الله»، وهذا «فِعال» جمع كثرة، والقياس أن يُقال «ثلاثةُ أكلُبٍ» على «أفعُل» جمع القلة، لكنهم استعملوا في موضع جمع القلة جمع الكثرة لنُكتةٍ ليس هذا موضع ذكرها.
وقال ربنا سبحانه:
و«الغُرُفات» جمع «غُرفة»، وهو جمع سلامة، وجمع السلامة من جموع القلّة، والغرفات في الجنة لا حصر لها؛ فاستعمل ربنا جمع قلّةٍ في موضع الكثرة لنُكتةٍ أيضًا ليس هذا موضع ذكرها. فيمكن أيضًا أن يُفسَّر قول مالك على هذا المحمل، فيُقال: استعمل جمع الكثرة في موضع جمع القلة، وهذا مسلكٌ عربيٌّ معروف.
الجواب الثاني
أنّ الصلوات خمسٌ، لكنها في كل يوم تتكرّر فتصير كثيرة، ولذلك تقول العرب «شموسٌ وأقمار» والعرب لا تعرف إلا شمسًا واحدة وقمرًا واحدًا، لكن تلك الشمس كل يوم تطلع، وذلك القمر كل يوم يطلع، فجمعوا لذلك وقالوا «شموس» و«أقمار».
لماذا بدأ الإمام مالك بكتاب الصلاة لا بكتاب الطهارة؟
هذا قوله «كتاب وقوت الصلاة». والعلماء لهم مناحٍ في تصنيفهم: منهم من يبدأ بكتاب الطهارة وأبوابها ـ يعني المياه والأعيان النجسة والأعيان الطاهرة إلى آخره ـ وهذا يسلكه كثيرٌ من الفقهاء الذين يضعون في الحديث، ومن المحدِّثين الذين يكتبون كتبًا للاستدلال بها للفقه. ومنهم من يبدأ بمسائل الإيمان والاعتقاد، كما صنع البخاري في صحيحه، إذ بدأ بكتاب بدء الوحي.
أمّا الإمام مالك رحمه الله فبدأ كتابه بـ«باب وقوت الصلاة»، قالوا: هذا أنسب من أن يبدأ بكتاب الطهارة؛ لأنّ الذين يبدأون بالكلام على الطهارة يقولون قولًا معقولًا منطقيًّا؛ إذ الطهارة آلة الصلاة، فيجب أن تُعرف أحكام الطهارة والمياه والوضوء والغسل إلى آخره، ثم بعد ذلك يُتحدَّث عن أحكام الصلاة.
لكن الإمام مالك نظر إلى أنّ المكلَّف إنما يحتاج إلى القيام للوضوء بعد أن يدخل وقت الصلاة، ولذلك قدَّم الكلام على وقوت الصلاة؛ لأنه قبل دخول الوقت ليس مخاطبًا بطهارةٍ ولا بصلاة، فحين يدخل الوقت يصير مطالَبًا بهما معًا، فحَسُن هذا التقديم منه رحمه الله.
تعريف «الباب» في اصطلاح أهل العلم
قال رحمه الله: «باب وقوت الصلاة». و«الباب» في أصله من «البَوْب»، وهو المجاز، أي: الشيء يُجاز منه، يُتوصَّل به من جهةٍ إلى جهة. لكن أهل العلم جرت عادتهم أن يُعرِّفوا كلّ ما يدور عليه الكلام في كتب العلم، وإن كان معروفًا في أصل اللغة، لدقائق تُذكر في تعريفه.
ولذلك قالوا: «الباب» فُرجةٌ في ساترٍ يُتوصَّل بها من داخلٍ إلى خارج، ومن خارجٍ إلى داخل. هذا تعريف الباب. وبعضهم يُلَغِّز فيه فيقول:
وجوابه: أنّ حقيقة «الباب» مجازٌ يُجاز منه، وأوّله وآخره سواء وهما الباء، وهو ثلاثي الحروف وفيه حرف مدٍّ هو الألف، وله الإعراب حقًّا لأنّ «الباب» معرَبٌ ليس ممنوعًا من الصرف، وله البناء أيضًا لأنه يُبنى في الجدران.
حديث تأخير الصلاة، وبيان مواقيتها بإمامة جبريل عليه السلام
قال عبيد الله بن يحيى رحمه الله: حدّثني يحيى بن يحيى الليثي عن مالك بن أنس عن ابن شهاب: أنّ عمر بن عبد العزيز أخَّر الصلاة يومًا، فدخل عليه عروة بن الزبير فأخبره أنّ المغيرة بن شعبة أخَّر الصلاة يومًا وهو بالكوفة، فدخل عليه أبو مسعود فقال: ما هذا يا مغيرة؟ أليس قد علمتَ أنّ جبريل نزل فصلّى؟
فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة جبريل في مواقيتها، ثم قال: «بهذا أُمِرت». فقال عمر بن عبد العزيز: اعلم ما تُحدِّث به يا عروة، أوَإنّ جبريل هو الذي أقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الصلاة؟ قال عروة: كذلك كان بُشير بن أبي مسعود الأنصاري يُحدِّث عن أبيه. قال عروة: ولقد حدّثتني عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلّي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر.
من رواية يحيى بن يحيى الليثي عن مالك، في الموطأ
رواة «الموطأ» وطرقه
اعلموا أنّ الموطأ رواه عن الإمام مالك أقوامٌ كثيرون. ذكر الغافقي في كتابه «مسند الموطأ» اثني عشر طريقًا. وذكر ابن طولون في كتابه «الفهرس الأوسط» أنه أُسند من أربعٍ وعشرين طريقًا. بل أوصل روايات الموطأ الشيخ ابن ناصر الدين الدمشقي إلى نيّفٍ وثمانين طريقًا. فرواة الموطأ كثيرون؛ من أشهرهم وأجلّهم:
• الشافعي: روى الموطأ عن الإمام مالك، ومن طريقه يرويه البيهقي في «السنن الكبرى». • محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: والموطأ برواية محمد بن الحسن هو الذي يُدرَّس في المشرق. • عبد الله بن مسلمة القعنبي، شيخ البخاري. • عبد الله بن يوسف التِّنِّيسي، شيخ البخاري. • يحيى بن يحيى النيسابوري، شيخ مسلم. • سُويد بن سعيد الحدثاني. • يحيى بن قزعة أبو مصعب الزهري. • عبد الرحمن بن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وطوائف كثيرة أخرى.
ولم يبلغنا من هذه الروايات إلا أقلّها. وقد طُبع الموطأ ببعض رواياته: فطُبعت رواية يحيى بن يحيى الليثي منذ القديم، وطُبعت رواية أبي مصعب الزهري، وطُبع ما وُجد منه برواية القعنبي، وبرواية يحيى بن عبد الله بن بكير، وبرواية سُويد بن سعيد، وبرواية ابن القاسم؛ فما وُجد من موطأ هؤلاء قد طُبع والحمد لله على ذلك. والروايات قد تختلف؛ لأنّ الإمام مالكًا رحمه الله كان يُجدِّد النظر في كتابه، فربما أزال شيئًا أو زاد شيئًا أو نقص شيئًا، فتختلف روايات الموطأ، ممّا يُعين الناظر والباحث على استيعاب رواياته كلّها.
رواية يحيى بن يحيى الليثي، وهي المعتمَدة عند المالكية
الرواية التي يدرس بها المالكية عمومًا هي رواية يحيى بن يحيى الليثي. وأنتم سمعتم السارد يقول: «وحدّثني يحيى بن يحيى». فمن الذي يقول «حدّثني»؟ إذا كنّا نقول إنّ الرواية التي ندرس بها هي رواية يحيى بن يحيى، فينبغي أن يُقال «حدّثني مالك» ويكون المتكلِّم هو يحيى بن يحيى، لكن قيل «حدّثني يحيى بن يحيى»؛ لأنّ المتكلِّم هو ابنه عبيد الله بن يحيى بن يحيى، فياء المتكلِّم في «حدّثني» تعود لعبيد الله بن يحيى، وذلك في الموطأ كلّه؛ فإمّا يقول «حدّثني يحيى عن مالك» أو «حدّثني عن مالك»، فتفهمون أنّ المتكلِّم عبيد الله، وأنه يروي عن أبيه الذي يروي عن مالك.
وعبيد الله بن يحيى هو: عبيد الله بن يحيى بن يحيى بن كثير بن يسلاس المصمودي الليثي القرطبي، مولى الليثيّين، كان عالمًا، سمع بالأندلس من أبيه فقط ولم يسمع من غيره فيها، ثم رحل إلى المشرق حاجًّا وتاجرًا، فحجّ ودخل بغداد فسمع بها الحديث، ثم دخل مصر فسمع بها أيضًا وتفقّه على طائفةٍ من علمائها، ثم رجع، وكان رجلًا عالمًا صالحًا عاقلًا، انتهت إليه رياسة العلم في بلدته ولم يُنازَع فيها.
وأمّا أبوه يحيى بن يحيى الليثي المصمودي القرطبي، فهو شيخ الأندلس وفقيهها، وراويةُ مذهب الإمام مالك وراويةُ فقهه وحديثه. ويجب أن يُميَّز السامعون بين اثنين كلاهما يُسمّى «يحيى بن يحيى» ويرويان عن مالك: أحدهما لا يروي عنه إلا الحديث دون الفقه، وهو يحيى بن يحيى الليثي صاحبنا، الذي منه اشتهر الموطأ في الأصقاع المغربية؛ والآخر يحيى بن يحيى النيسابوري، وهو الذي يروي عنه مسلمٌ موطأ مالك في صحيحه. فتجدون مثلًا في صحيح مسلم: «حدّثنا يحيى بن يحيى قال حدّثني مالك»، فلا يذهب ظنّكم أنّ هذا هو صاحب الموطأ، إنما هو يحيى بن يحيى النيسابوري. وهذا عند المحدِّثين يُسمّى باب «المتّفق والمفترق»، وهو أن يتّحد اسم الراوي واسم أبيه وتختلف أشخاصهم.
ويحيى بن يحيى الليثي سمع الموطأ في الأندلس من زياد بن عبد الرحمن ـ المعروف بشبطون ـ فسمع منه الموطأ كاملًا، ثم رحل بعد ذلك إلى المدينة، فسمع الموطأ من الإمام مالك إلا أبوابًا من كتاب الاعتكاف شكّ فيها هل سمعها منه أم لم يسمعها، فرواها عن زياد بن عبد الرحمن عن مالك. ثم لازم ابن وهب صاحب مالك، ولزم ابن القاسم، وحمل عنه عشرة كتبٍ من السؤالات. ثم حجّ، ولما رجع إلى المدينة ليزداد من مالك، وجده مريضًا مرض موته، فأقام بالمدينة إلى أن توفّى الله مالكًا، ثم رجع بعلمٍ جمٍّ إلى الأندلس، فعُقدت عليه الخناصر وارتفع شأنه وعلا قدره.
وكان راويةً عظيمًا فقيهًا ثقةً، قليل الحديث، له فيه بعض الأوهام سيأتي ذكر بعضها في هذا الكتاب إن شاء الله. وقد لازم أيضًا ليث بن سعد؛ ومرّةً أراد أن يُمسك حبل دابّة الليث بن سعد، فأراد غلام الليث أن يمنعه، فقال له الليث: دعه، ودعا له وقال: «خدَمَك العلم». قال يحيى بن يحيى: فما زلتُ منتظرًا تلك الدعوة حتى رأيتُها، يعني بذلك الجاه الذي لقيه بعد ذلك في الأندلس.
عُرض عليه القضاء في الأندلس فتعفّف عنه وتنزّه عنه، فكانت رتبته بعد ذلك أعلى من رتبة القضاة، وكان لا يُولَّى أحدٌ القضاء إلا بمشورته، فكان يُولّي أصحابه، فكثُر لذلك الآخذون عنه والمقبِلون عليه، وهذا من الأسباب التي أدّت إلى انتشار مذهب مالك في الأندلس؛ لأنّ من درس غير مذهب مالك لم يُوَلَّ القضاء، إذ لا يُولّي يحيى بن يحيى إلا تلاميذه الذين يعرف نزاهتهم وعفّتهم وعلمهم وأمانتهم. فأقبل الناس على دراسة مذهب الإمام مالك، وهذا السبب الذي جعل رواية يحيى بن يحيى الليثي للموطأ تشتهر في هذه الأصقاع المغربية.
توفّي عبيد الله بن يحيى رحمه الله سنة ٢٩٨هـ، وتوفّي أبوه يحيى بن يحيى الليثي سنة ٢٣٤هـ.
ترجمةٌ موجزة للإمام مالك بن أنس رحمه الله
«عن مالك بن أنس»: هو مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي المدني، الإمام المشهور، شهرته في الآفاق تُغني عن ذكر ترجمته، ولعلّ الاقتصار في ذلك ممّا يُعاب علينا ونحن في بلدٍ مالكيّ بين أقوامٍ مالكية، وسنذكر لهم بعد ذلك ترجمة الإمام مالك، لكن ممّا يُستحبّ أن تعرفوا أنه مات سنة تسعٍ وسبعين ومئة، فهو إذًا من قرون الخيريّة التي شهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها خير القرون.
وليس لمالك رحمه الله رحلةٌ، إنما أخذ عن أهل المدينة واختصّ بالزهري. ولمّا صنَّف موطّأه عرضه على سبعين من فقهاء المدينة ومحدِّثيها، وما جلس للرواية والفتوى والتعليم حتى شهد له أكثر من سبعين معمَّمًا بأنه أهلٌ لذلك، رحمة الله عليه.
والحديث الذي رواه الترمذي وغيره:
«يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل، فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة»
رواه الترمذي وغيره
كثيرٌ من العلماء أنزلوا هذا الحديث على الإمام مالك؛ لأنّ الإمام مالك رحمه الله في عصره لم تكن الرحلة تُعقد إلى غيره، إذ كانت مرتبته بحيث لا تُشدّ الرحال إلا إليه. أمّا في العصر الذي قبله، في طبقة شيوخه، فكان العلماء كثيرين في المدينة، فلا يُوحي الحديث بأنّ واحدًا مشهورًا وحده تُضرب إليه أكباد الإبل. وكذلك في طبقة شيوخ مالك كان كثيرون ممّن يُرحل إليهم، وفي طبقة تلاميذه أيضًا كثيرون ممّن كان يُرحل إليهم.
ملحق: فهرس الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأبيات الشعرية الواردة في الكتاب
أولًا: الآيات القرآنية
١. ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ — سورة التوبة، من الآية ١٠٣. ٢. ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ — سورة هود، من الآية ٨٧. ٣. ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ — سورة سبأ، من الآية ٣٧.
ثانيًا: الأحاديث النبوية
١. «لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحُه» — رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ٢. خطبة فتح مكة وتحريمها («إنّ الله حبس عن مكة الفيل...») — متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه. ٣. «اكتبوا لأبي شاه» — من الحديث السابق. ٤. «اللهم صلِّ على آل أبي أَوْفى» — حديثٌ نبوي. ٥. حديث إمامة جبريل عليه السلام وبيان مواقيت الصلاة — من رواية الموطأ. ٦. «يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل، فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة» — رواه الترمذي وغيره.
ثالثًا: الأبيات الشعرية
١. أبيات سعد الورجيني في مدح الموطأ («أقول لمن يبغي الحديث ويطلب...»). ٢. مرثية الشيخ المكي البُطاوي في وفاة الشيخ أبي إسحاق التادلي («حكم الإله بذي الخليقة جارِ...»). ٣. أبيات أبي بكر القرطبي في فضل العلم بالكتاب والسنة («ما العلم إلا كتاب الله أو أثر...»). ٤. لُغز في تعريف «الباب» («فما شيءٌ حقيقته مجاز...»).